عبد الوهاب الشعراني
79
تنبيه المغترين
عليه فهو منافق يعني بذلك من تظاهر للناس بالزهد في الدنيا ، وأما من لم يتظاهر بذلك فلا واللّه أعلم . وكان أمير المؤمنين علي رحمه اللّه تعالى يضع الدرهم في كفه ويقول : أف لك من درهم لا تنفعني إلا إن خرجت عني ، وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : إذا دخل الدرهم الحرام من الباب خرج الحق من الكوة ، فقيل له : فإن سدت الكوة ، فقال : يخرج من حيث يأتي ملك الموت ، وكان العلاء بن زياد رحمه اللّه تعالى يقول : لا يكمل العالم إلا إن عف عن الدنيا وعن النساء ، وقد كان سفيان الثوري رحمه اللّه كثيرا ما ينشد قوله : إني وجدت فلا تظنوا غيره * إن التورع عند هذا الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركته * فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم ا ه . فاحذر يا أخي من فضل الدنيا واقتد بسلفك الطاهر في الزهد تسلم من آفاتها ، والحمد للّه رب العالمين . المحبة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : محبتهم لتقديم مريدهم خدمة اللّه تعالى على خدمتهم ، فإذا دعوا أحدا إلى حاجتهم ولم يأت لاشتغاله بتلاوة القرآن مثلا أو بذكر اللّه تعالى كان ذلك أرجح عندهم من حاجاتهم ولو كانت ضرورية كطحن القمح وطبخ الطعام ونحو ذلك ، وهذا الخلق لا يعمل به إلا من خلص من رعونات النفس وصحت له محبة مرضاة اللّه تعالى حتى صار يقدمها على جميع أهوية نفسه ، وقد كان لي ورد في الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم فطلب لي الذكر ليلة واستمريت فيه حتى فاتني ورد في الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم فخجلت بعد ذلك منه عليه الصلاة والسلام حياء منه فلما أصبحت عرضت ذلك على شيخنا سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى فقال لي : لا ينبغي الخجل منه صلى اللّه عليه وسلم لأجل ذلك فإنه صلى اللّه عليه وسلم يحب ربه سبحانه وتعالى أكثر من نفسه بيقين فلا ينبغي أن يتوهم فيه صلى اللّه عليه وسلم أنه يتكدر منه لأجل ذلك بل هو صلى اللّه عليه وسلم أفرح بذكر اللّه عز وجل من الصلاة عليه ، على أن الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم لا بد فيها من ذكر اللّه تعالى ا ه واللّه أعلم . وكذلك ينبغي أن يكون الشيخ ينشرح لاشتغال المريد بالصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكثر مما ينشرح إذا صار المريد يقول اللهم ارحم شيخي واغفر له ونحو ذلك ، لكون النبي صلى اللّه عليه وسلم أحب إلى كل شيخ من نفسه ومن أهله ، فافهم ذلك يا أخي والحمد للّه رب العالمين .